السويداء بين الكنيسة، الصراع، والهجرة
السويداء بين الكنيسة، الصراع، والهجرة
البيزنطيون، الفتح الإسلامي، العصور الوسيطة والانتداب الفرنسي — السويداء بين الكنيسة، الصراع، والهجرة
1. العصر البيزنطي: كنائسٌ وأديرة وتحصينات على ظهر البازلت
السويداء بين الكنيسة، الصراع، والهجرة في القرن الرابع الميلادي وما بعده، مع تبلور الإمبراطورية البيزنطية، تغيّر وجه بلاد الشام الديني والعمراني بسرعة. السويداء لم تكن استثناءً: قرى جبل العرب وشواطئ البازلت امتلأت بكنائس صغيرة وبنايات رهبانية مبنية من نفس الحجر الأسود الذي تميّزت به المنطقة. هذه الكنائس، غالباً من القرن الخامس إلى القرن السابع الميلادي، كانت تُزيَّن بنقوش سريانية-يونانية ومخططات قبابية بسيطة تتجاور مع المشهد الريفي. الأدلّة الأثرية المسجلة تُشير إلى شبكة واسعة من المواقع المسيحية الموزعة في المحافظة، وهو ما يجعل منطقة السويداء من بين أغنى مناطق الجنوب السوري آثارياً من العهد البيزنطي. npasyria.comdigi.ub.uni-heidelberg.de
البيزنطيون أيضاً رأوا في تضاريس جبل العرب قيمة عسكرية: تلال مثل تل قينة لم تَغِب عن خطط المراقبة؛ وأبراج الإنذار كانت تُمثّل جزءاً من منظومة عسكرية تهدف إلى حماية الطرق والتجهيزات اللوجستية للتجارة والاقتصاد الإقليمي. العمل الأثري المبكّر الذي قام به رحّالة وباحثون غربيون مثل غوتليب شومخر وفرق بعثات برينستون أظهر بقايا منشآت تحصينية ومباني دينية تُعزى إلى الفترة البيزنطية، مؤكّدةً أن المنطقة لم تكن هامشاً بل جزءاً نشطاً من العالم البيزنطي المتوسطي. ويكيبيدياdigi.ub.uni-heidelberg.de
2. الصراعات العسكرية قبل الإسلام: الغساسنة والحرب على حدود الإمبراطوريات
في القرنين الخامس والسادس الميلاديين، صارت منطقة جنوب بلاد الشام ميدان تماس بين قوتين إمبراطورتين: البيزنطيين شرقاً والـساسانيين غرباً (من منظور بؤر التماس بينهما)، لكن الطرف المحلي الفاعل في كثير من الأحيان كان تحالف القبائل العربية المُسيّرة مثل الغساسنة (Ghassanids). الغساسنة، الذين تحولوا إلى حلفاء (foederati) للبيزنطيين، ازداد نفوذهم في القرن السادس ووفّروا للحدود الشرقية حماية وخط دفاع ضد القبائل البدوية ومن جهة أخرى ضد النفوذ الفارسي وحلفائهم العرب (المناذرة). هذا الترتيب جعل جبل العرب ومنطقتها مجالاً استراتيجياً للصراعات والردود السريعة، وكانت نقاط الارتفاع والمواقع المراقبة تُستخدم لإرسال إشارات، وقيادة مناوشات صغيرة بين الفئات المتحاربة. Encyclopedia Britannica
هذا السياق العسكري يفسّر أيضاً سبب انتشار مواقع التحصين والمرابط في بطون الجبل؛ فالتضاريس الوعرة والتحصينات الصغيرة كانت تمنح ميزة دفاعية لطرف محلي قادر على استخدام المعرفة المحلية للميدان ضد تحركات جيش منظّم. تلُّ قينة هنا يظهر مجدداً كموضع استراتيجي — أولاً في شبكة إنذار قديمة، ثم بوصفه نقطة دفاع محلية متى استلزم الأمر. ويكيبيديا
3. الفتح الإسلامي والحقبة الأموية والعباسية: تحول الأسماء والحياة الزراعية (القرن السابع–القرن العاشر الميلادي)
مع الفتح الإسلامي لبلاد الشام في القرن السابع الميلادي (حوالي 634–640م) دخلت منطقة السويداء ضمن النطاق الإداري للدولة الإسلامية الناشئة. لم يلغِ الفتح التراث البيزنطي فورًا؛ بل كان استمراريةً مع تغيير في التعابير الدينية والسياسية. في المصادر تظهر تسمية “جبل الريان” في بعض المراجع الإسلامية، وهو اسم يعبّر عن واحد من وجهيّ الهوية المحلية: الحجر الأسود والخصب في آنٍ معاً — أي أرض جبلية منتجة. تشير الدراسات والخرائط التاريخية إلى أن مناطق حوران وسفوح جبل العرب ظلت موارد علف ومحاصيل للدّول الكبرى (دمشق ثم بغداد)، وقد ظلت زراعة العنب والزيتون والحبوب نشاطاً اقتصادياً أساسياً في القرون الإسلامية المبكرة. أستورد
خلال هذه الحقبة أيضاً، تتبدّل أنماط الملكية والزراعة: خزانات المياه الحجرية، ودوموسات التخزين، وبنية القرى تكيّفت مع متطلبات الجمع والاحتفاظ والمحاصيل الموسمية، فيما بقيت الشبكات الطرقيّة تُربط هذه القرى بالأسواق الإقليمية. لذا نرى استمرارية للحياة الزراعية رغم التحولات السياسية الكبرى: هذا جزء من السرد الذي يربط الهوية بالبيئة لا بالانتماء السياسي فقط. أستورد
4. المماليك والعثمانيون وهجرة الدروز: الأسباب السياسية–الاجتماعية (القرن 13–القرن 19)
بشكل عام استمر نمط الحياة المحلي حتى وصول المماليك في القرن الثالث عشر ثم العثمانيين في عام 1516م. تحت حكم العثمانيين تطورت علاقة الجبل بالسلطة المركزية بين استثناء واندماج: في فتراتٍ كانت السلطة المركزية تفرض ضرائب وجبايات، وفي فترات أخرى تُترك المناطق الجبلية لحكم محلي شبه مستقل. هذا الواقع سهّل في بعض الأزمنة تدفّق مجموعات بشرية إليها طلباً للأمن والملاذ.
أحد أهم فصول التحوّل الديموغرافي في جبل العرب كان استقرار أعداد كبيرة من أبناء الطائفة الدرزية قادمين من جبل لبنان وبقاعه. موجات الهجرة هذه ارتبطت بأسباب مركبة: صراعات العشائر والتحالفات (مثل معارك عين دارة وما تبعها من نزاعات في أوائل القرن الثامن عشر)، ثم تصاعد العنف الطائفي والسياسي في القرن التاسع عشر (أحداث 1860 في جبل لبنان وما نتج عنها من نزوح)، وأخيراً سياسات الحكم العثماني المركزية أحياناً، والبحث عن أراضٍ زراعية جديدة وملاجئ جبلية أخرى. لذلك يتفق عدد من المراجع المعاصرة والتقارير التاريخية على أن موجات الدروز إلى سهل وحوران وجبل العرب تركزت بين نهايات القرن السابع عشر وحتى القرن التاسع عشر، ما جعل من جبل العرب (Jabal al-Druze) مركزًا كبيرًا للطائفة في سورية.
دراسات حديثة تناولت هذه الهجرات بتفصيل: فهي لم تكن مجرد تنقّل سكاني، بل إعادة تركيب للسلطة المحلية (بروز أسر مثل الأطرش) وبناء بنى قروية جديدة واعتماد على زراعة الحبوب والعنب ما شكّل قاعدة اقتصادية-اجتماعية متينة. Brill
5. الانتداب الفرنسي وولادة المقاومة: السويداء كمِركز للثورة (1920–1927)

مع سقوط الدولة العثمانية وفرض الانتداب الفرنسي (1920)، أعاد الفرنسيون تقسيم المشهد السياسي بإقامة دويلات طائفية وإقليمية (من ضمنها دولتهم المصغرة في جبل الدروز). هذه السياسة أدّت إلى احتكاك مستمر بين السكان المحليين وممثلي السلطة الأجنبية، وبلغ التوتر ذروته عام 1925 عندما قاد سلطان باشا الأطرش انتفاضة واسعة انطلقت من جبل العرب وامتدت لتشمل أجزاء كبيرة من سورية. إعلان الثورة وتوالي معارك المزرعة (21 يوليو 1925)، المزرعة الكبرى (al-Mazraa 2 أغسطس 1925) وغيرها جعلوا من حركة الأطرش لحظة فاصلة في التاريخ السوري الحديث: كانت السويداء مركز الجذب والتعبئة والمقرّ الذي أطلق الشرارة ضد مشروع الانتداب. الثورة، التي امتدت في شكل تحرك وطني شامل، واجهت قمعًا شديدًا من فرنسا لكنه ترك بصمة قومية وعلامة تضامن بين مكوّنات سورية المختلفة.
خاتمة المرحلة الثانية (موجزة)
خلال هذه الفترة الطويلة — من البيزنطيين حتى حراك المقاومة في عشرينيات القرن العشرين — تتكرّر فكرة ثابتة في تاريخ السويداء: المكان يفرض دوره. التضاريس، الحجر الأسود، ونقاط الارتفاع مثل تلّ قينة شكلت ظروفاً جغرافية وحضارية جعلت من السويداء قبلة للعبادة والعمارة، ساحة للصراع والتحصين، وملاذًا لمجموعات طائفية تطالب بالاستقلال والحماية. في كل مرحلة تغيرت الهيئات السياسية والرموز الدينية، لكن بقيت علاقات الإنسان بالأرض هي التي تصوغ ثبات الهوية. (للمراجع الأساسية في هذا القسم: أعمال بعثات برينستون، تقارير الرحّالة الأوائل مثل شومخر، وملخصات منهجية في أعمال داسّو ودراسات موسوعية عن الدروز والانتداب الفرنسي). digi.ub.uni-heidelberg.deويكيبيديا+1



