أخبار الاقتصاداقتصاد و اعمال

الاقتصاد السوري واقتصاد السويداء في 2025

الاقتصاد السوري واقتصاد السويداء في 2025: قراءة شاملة وآفاق الاستثمار


المقدمة

يعيش الاقتصاد السوري واحدة من أعقد أزماته على الإطلاق منذ أكثر من عقد، بعد حرب مدمرة أنهكت البنية التحتية وأضعفت القطاعات الإنتاجية، وفاقمتها العقوبات الدولية والتضخم وفقدان القدرة الشرائية.

قبل الحرب، كانت سوريا تعتبر من الاقتصادات النامية التي تحقق معدلات نمو مستقرة بفضل الزراعة والصناعة والسياحة، إضافة إلى صادراتها من النفط والفوسفات. لكن مع اندلاع النزاع عام 2011، تراجع الناتج المحلي الإجمالي من نحو 68 مليار دولار إلى أقل من 9 مليارات بحلول 2023، وهو ما جعل مستويات المعيشة تتدهور بشكل غير مسبوق.

رغم ذلك، تلوح فرص للنهوض من تحت الركام، إذ تظهر مبادرات فردية ومشاريع ريادية مدعومة أحيانًا من منظمات مانحة، وتحاول استغلال الإمكانات المحلية لإعادة تنشيط الاقتصاد.

السويداء تمثل حالة خاصة وسط هذا المشهد، فهي محافظة ذات استقرار نسبي مقارنة بغيرها، وتتميز بموارد زراعية وصناعات تقليدية، ما يجعلها نموذجًا مصغرًا لفهم واقع الاقتصاد السوري وإمكانات التعافي.


التحديات الكبرى للاقتصاد السوري في 2025

1️⃣ العقوبات والانكماش

لا تزال العقوبات الغربية، وعلى رأسها قانون قيصر، تعرقل حركة التجارة وتجمد الأصول وتجعل المستثمرين مترددين في دخول السوق السوري. هذا يزيد الضغط على الحكومة ويحدّ من فرص التمويل الأجنبي ويعطل جهود إعادة الإعمار.

2️⃣ انهيار الليرة والتضخم

تجاوز الدولار 20,000 ليرة في السوق السوداء مع بداية 2025، وهو انهيار تاريخي لليرة السورية تسبب في فقدان الرواتب قيمتها الشرائية، وأجبر المواطنين على الاعتماد أكثر على الحوالات الخارجية.

هذا التراجع رفع أسعار المواد الغذائية والدوائية والطاقة بشكل كبير، حتى إن تقارير برنامج الغذاء العالمي ذكرت أن 90% من السوريين يعيشون تحت خط الفقر.

3️⃣ ضعف البنية التحتية والطاقة

الكهرباء متقطعة، وشبكات المياه بحاجة إلى تأهيل، والنقل يعاني من اختناقات وحواجز. كما أن قطاع النفط، الذي كان يزود البلاد بأكثر من 400 ألف برميل يوميًا قبل الحرب، تراجع إلى أقل من 25 ألف برميل يوميًا بحلول 2025.

4️⃣ الاعتماد على المساعدات والتحويلات

يقدر حجم الحوالات القادمة من المغتربين السوريين بأكثر من 2.5 مليار دولار سنويًا، وهي بمثابة شريان حياة للاقتصاد السوري. لكنها للأسف تُصرف في الاستهلاك المباشر غالبًا ولا تتحول إلى استثمارات حقيقية، ما يحدّ من أثرها طويل الأجل.

القطاعات الاقتصادية الرئيسية في سوريا

1️⃣ الزراعة: رئة سوريا الاقتصادية

لن نجد بيتًا في سوريا يخلو من ذكر الزراعة، فهي تاريخيًا العمود الفقري للاقتصاد السوري، ومصدر دخل لملايين العائلات.

قبل الحرب، كانت الزراعة تمثل نحو 17% من الناتج المحلي الإجمالي وتشغل ربع القوى العاملة، وتنتج سوريا ملايين الأطنان من القمح والشعير والقطن والحمضيات والزيتون، وحتى العنب الذي كان يفخر به السوريون على موائدهم ويصدرونه إلى الخارج.

لكن الحرب قلبت هذه الصورة رأسًا على عقب، فتراجعت المساحات المزروعة بنسبة 40%، وانهارت شبكات الري، وأصبح الحصول على الأسمدة والمياه حلمًا مكلفًا. ومع ذلك، يبقى الأمل قويًا هنا، لأن الأرض لا تموت، والأيدي السورية قادرة على النهوض لو توفر لها الدعم المناسب، سواء في الري الحديث أو التمويل أو الطاقة الشمسية.

تخيل معي لو تم إحياء الزراعات الطبية (كالزعتر وإكليل الجبل) التي تنتشر في البادية، وتحويلها لمنتجات دوائية وعطرية؟ سيكون ذلك موردًا ذهبيًا لسوريا ويجذب أسواق أوروبا والخليج الباحثة عن منتجات طبيعية.


2️⃣ الصناعة: بين الرماد والأمل

قد يبدو مشهد المصانع السورية اليوم مؤلمًا، بعدما كانت البلاد تنتج المنسوجات والإسمنت والأدوية وتصدرها بانتظام. آلاف المعامل توقفت بسبب تدمير البنية التحتية، وانقطاع الكهرباء، وصعوبة تأمين المواد الخام.

يكفي أن نعرف أن إنتاج النفط انخفض من 400 ألف برميل يوميًا قبل الحرب إلى 25 ألفًا فقط عام 2025 — رقم صادم يوضح حجم الأزمة.

لكن وسط هذا السواد، هناك صناعيون صغار أعادوا تشغيل ورش الأجبان والصابون والحرف التقليدية بموارد قليلة، وباعوها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لتكون شمعة صغيرة في عتمة الاقتصاد. هؤلاء الناس هم الأبطال الحقيقيون الذين يجب أن نستثمر بهم ونمنحهم قروضًا بسيطة وتدريبًا حديثًا، ليكونوا نواة لتعافي الصناعة من جديد.


3️⃣ الخدمات والتجارة: سوق مضطرب وحلول مبتكرة

الخدمات اليوم في سوريا لا تعيش عصرها الذهبي بالتأكيد، فالمواطن يكافح فقط ليؤمن احتياجاته اليومية وسط انهيار الليرة وارتفاع الأسعار. ومع ذلك، ظهرت أنشطة تجارية جديدة بديلة، مثل تجارة الملابس المستعملة أو الأكشاك الصغيرة، وحتى منصات البيع عبر الإنترنت التي تنقل المنتجات بين الريف والمدينة دون وسطاء، لتخفف التكاليف على الناس.

ولا ننسى أن التجارة السورية، رغم صعوباتها، ما تزال تتنفس عبر الحدود مع لبنان والأردن، بفضل شبكات علاقات تقليدية تحمي جزءًا من الدخل.

الحوالات الخارجية أيضًا لعبت دورًا أساسيًا، إذ وصل حجمها في 2024 و2025 إلى أكثر من 2.5 مليار دولار سنويًا، ما جعلها مصدر استقرار نسبي لعشرات آلاف العائلات.


ميزات اقتصاد السويداء: استثناء داخل الأزمة

زراعة العنب والتفاح في السويداء

السويداء تبدو وكأنها جزيرة صغيرة أكثر هدوءًا وسط عاصفة الاقتصاد السوري. رغم معاناتها من الجفاف وغياب الاستثمارات الكبرى، إلا أن استقرارها الأمني النسبي سمح ببقاء عجلة الاقتصاد تدور ببطء، عبر الزراعة التقليدية والصناعات اليدوية.

  • تشتهر المحافظة بالعنب الذي تصدره إلى مناطق سورية عديدة، بل ويقوم عليه إنتاج الدبس والخل وحتى الخمور.
  • صناعة الألبان والأجبان في القرى الجبلية بقيت صامدة، تروي قصص سيدات حولن مطابخهن إلى معامل صغيرة توفر دخلاً لأسرهن.
  • الحرف الخشبية وصناعة السجاد اليدوي ما تزال حاضرة، رغم التحديات، وتلقى طلبًا متزايدًا في الخليج وأوروبا.

هذا النموذج القائم على المشاريع الصغيرة والأسرية يجعل السويداء قادرة على امتصاص الأزمات بشكل أفضل من محافظات أخرى تعتمد على الصناعات الثقيلة أو الدولة بشكل كامل.


أبرز التحديات داخل السويداء

  • شح المياه: السنوات الأخيرة حملت موجات جفاف أثرت على إنتاج القمح والشعير، ما رفع الأسعار محليًا وأضعف الاكتفاء الذاتي.
  • ضعف التمويل: المصارف شبه عاجزة عن منح القروض، ما يجعل أي مشروع يحتاج رأس مال خارجي أو تمويل أهلي.
  • ارتفاع تكاليف الطاقة: الاعتماد على المولدات مكلف جدًا، ما يقلل من قدرة الناس على التوسع في مشاريعهم.

رغم ذلك، ما زال أبناء السويداء يظهرون مرونة كبيرة وإصرارًا على الصمود، وهو ما يعزز فرص التعافي لو تم تقديم دعم حقيقي قريبًا.

الفرص الاستثمارية والريادية في السويداء وسوريا عامة

1️⃣ الزراعة والصناعات الغذائية: ذهب لا يصدأ

قد تكون التربة هي الملاذ الأخير للسوريين بعد كل هذه الأزمات. الزراعة ما زالت قادرة على إنقاذ الاقتصاد لو استثمرنا فيها بشكل عصري:

  • مشاريع الري الحديث: الري بالتنقيط، استخدام الطاقة الشمسية للمضخات، حلول ذكية لتقليل هدر المياه
  • الصناعات الغذائية: تعبئة وتغليف الفواكه والخضار، صناعة المربيات ودبس العنب، مع استهداف التصدير للأسواق العربية
  • الزراعة العضوية: أصبحت موضة عالمية، وأسواق الخليج وأوروبا تدفع أرقامًا ممتازة مقابل المنتجات النظيفة

في السويداء تحديدًا، إنتاج التفاح والعنب والزيتون يمكن أن يتحول إلى قيمة مضافة ضخمة لو حصل على دعم تعبئة وتسويق احترافي.


2️⃣ الطاقة المتجددة: أمل المستقبل

الكهرباء في سوريا لا تكاد تكفي لإنارة شارع، فما بالك بتشغيل المصانع والورش؟

لهذا السبب، أصبحت الطاقة الشمسية حلمًا واقعياً، خاصة في مناطق مثل السويداء التي تمتلك ساعات سطوع شمسي عالية جدًا. تركيب الألواح على أسطح البيوت أو مزارع الري يوفّر كهرباء رخيصة ومستقرة، ويقلل التبعية للمولدات الباهظة.

حتى مشاريع طاقة الرياح واردة في البادية الشرقية للسويداء، وهو قطاع بحاجة فقط لاستثمارات مدروسة وتشريعات محفزة.


3️⃣ التجارة الإلكترونية والخدمات اللوجستية

مع تراجع قدرة السوريين على التنقل، وارتفاع أسعار الوقود، صار الإنترنت شريان حياة للتجارة:

  • بيع المنتجات الريفية والحرفية عبر فيسبوك وإنستغرام
  • إنشاء منصات إلكترونية محلية تربط القرى بالمدن
  • خدمات توصيل صغيرة بين المحافظات

هذه الأفكار تبدو بسيطة، لكنها قللت تكاليف البيع وخلقت فرص عمل جديدة، خصوصًا للشباب.


4️⃣ السياحة الداخلية: كنز مهمل

سوريا بلد مليء بالعجائب، من تدمر إلى دمشق القديمة، من بصرى إلى قلعة صلخد في السويداء. ورغم تضرر جزء كبير من البنى السياحية، إلا أن ملايين السوريين مستعدون لاستكشاف بلادهم لو توفرت لهم بنية تحتية بسيطة:

  • نزل ريفية
  • مطاعم عائلية
  • مهرجانات ثقافية

يمكن لهذه الأنشطة أن تحرك الاقتصاد سريعًا، وتخلق دخلاً للأسر بدل الاعتماد على المساعدات.


آفاق التعافي ورؤية مستقبلية

في قلب كل هذه الأزمات، يلمع أمل صغير، لأن سوريا ما زالت تملك:

✅ ثروات زراعية ضخمة
✅ طاقات شمسية وريحية استثنائية
✅ موارد طبيعية مثل البازلت والفوسفات
✅ خبرة بشرية هائلة رغم النزوح

لو استطاعت الحكومة السورية مع المجتمع المدني والمغتربين السوريين أن يستثمروا هذه الإمكانيات، بوضع قوانين شفافة، وتسهيل الاستثمار، وتشجيع التمويل الصغير، فسوف تنهض سوريا من جديد.

حتى المغتربين، يمكن أن يكونوا شريكًا أساسيًا في مشاريع محلية عبر حوافز مغرية، فيساهمون في بناء بلدهم ويحققون أرباحًا مستقبلية.


الخاتمة

باختصار، الاقتصاد السوري يقف في 2025 أمام طريقين:

  • طريق يواصل فيه الانهيار بفعل التضخم والحرب
  • أو طريق يقوده أبناءه بالريادة والصبر نحو التعافي، خطوة بخطوة

السويداء تقدم نموذجًا: مشاريع منزلية صغيرة، زراعة مرنة، روح صامدة. ولو وجد هذا النموذج الدعم والتمويل والقوانين العادلة، فإنه قد يكون شرارة النهوض لسوريا كلها.

الفرص موجودة — تحتاج فقط إلى إرادة، وإدارة، وبعض الثقة بمستقبل لا يزال يستحق أن نحلم به.


الأسئلة الشائعة (FAQ)

1️⃣ ما هي أبرز القطاعات الواعدة في سوريا 2025؟
الزراعة، الطاقة الشمسية، الصناعات الغذائية، التجارة الإلكترونية، السياحة.

2️⃣ لماذا السويداء نموذج مميز؟
لأنها تتمتع باستقرار نسبي، وإنتاج زراعي متنوع، وصناعات تقليدية ما زالت تنبض بالحياة.

3️⃣ ما أكبر التحديات أمام الاستثمار؟
انهيار الليرة، ضعف البنية التحتية، غياب التمويل، العقوبات.

4️⃣ كيف يمكن تحسين الوضع؟
إصلاح القوانين، جذب رؤوس الأموال، تحفيز المشاريع الصغيرة، وتشجيع المغتربين على الاستثمار.

5️⃣ هل هناك أمل حقيقي؟
نعم، الأمل موجود ما دام هناك شعب يزرع ويصنع ويبدع رغم كل الظروف.

عرض المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى