اكتشف السويداءالتاريخ والتراثتاريخ السويداء

السويداء منذ العصور البرونزية حتى الحقبة الرومانية: تاريخ الجبل والهوية

السويداء ليست مجرد مدينة سورية صغيرة على أطراف جبل الدروز، بل هي ذاكرة حيّة تختزن آلاف السنين من التاريخ. كل حجر بازلتي أسود فيها هو صفحة من كتاب الحضارات، وكل قرية واسم ومعلم أثري يروي قصة عن الإنسان الذي عاش على سفوح الجبل وصمد في وجه الطبيعة والغزوات.

موقعها الجغرافي، بارتفاع يتجاوز 1000 متر عن سطح البحر، منحها شخصية مزدوجة: فهي من جهة تطل على البادية الشرقية، ومن جهة أخرى ترتبط بسهول حوران الخصبة غربًا. هذا الموقع جعلها جسرًا بين عالم البدو الرحّل وعالم الفلاحين المستقرين، ومفترق طرق للقوافل القادمة من الجزيرة العربية إلى الشام وفلسطين.

ولذلك وصفها الرحالة وليم طومسون في القرن التاسع عشر بأنها:

“نقطة التقاء البدوي والفلاح عند عتبة واحدة”.


جغرافيا السويداء: أرض الصمود والخصوبة

التضاريس والمناخ

  • تقع على السفوح الشرقية لجبل الدروز، بين ارتفاعات 1000 – 1809 م.
  • التربة البركانية السوداء، بقايا ثورات بركانية قديمة، جعلت الأرض خصبة جدًا.
  • المناخ قاسٍ: صيف معتدل وشتاء بارد، ما أجبر السكان على ابتكار طرق لحفظ المياه:
    • حفر صهاريج صخرية.
    • إنشاء آبار في البازلت.

العمارة البازلتية: هوية المكان

  • البيوت والمعابد والمسارح بُنيت من البازلت الأسود.
  • الجدران السميكة جعلت البيوت باردة صيفًا ودافئة شتاءً.
  • الباحث الفرنسي أرنست رينان وصفها بقوله:

“ترويض البازلت الصامت وتحويله إلى مأوى نابض بالحياة”.


أولاً: العصر البرونزي (الألف الثالث – الألف الأول ق.م)

الاستيطان المبكر

  • الحفريات في صلخد وقنوات تكشف عن استقرار جماعات زراعية – رعوية.
  • البيوت كانت بسيطة، دائرية الشكل.
  • النشاط الاقتصادي اعتمد على:
    • زراعة القمح والشعير.
    • تربية الماشية.

الآراميون في جبل العرب

  • في الألف الأول ق.م انتشرت القبائل الآرامية.
  • تركوا بصمتهم اللغوية في أسماء القرى، وبعض المفردات ما تزال مستخدمة محليًا.

المعابد الأولى

  • وجود مذابح حجرية لعبادة آلهة الخصب والمطر.
  • الطقوس مرتبطة بدورة الزراعة السنوية (الحصاد والمطر).

ثانياً: الحقبة النبطية (القرن الأول ق.م – القرن الأول م)

النبطيون والتجارة

  • السويداء كانت جزءًا من المجال الحيوي لمملكة الأنباط (عاصمتها البتراء).
  • شكّلت محطة مهمة على طريق البخور والحرير الممتد من الجزيرة العربية إلى دمشق وغزة.

طريق البخور

  • القوافل حملت البخور واللبان والتوابل عبر حوران والبادية.
  • السويداء تحولت إلى مركز اقتصادي وتجاري مزدهر.

العمارة النبطية

  • الأساليب المعمارية النبطية ظهرت في الأقواس والمداخل.
  • الرومان لاحقًا دمجوا هذه الأساليب في مدنهم.

الدين النبطي

  • عبد الأنباط آلهة مثل:
    • ذو الشرى.
    • اللات.
  • شُيّدت معابد صخرية، ويُعتقد أن بعض المزارات في جبل الدروز تعود لهذه الحقبة.

ثالثاً: الحقبة الرومانية (القرن الأول – الرابع م)

تصميم بدون عنوان 1 1

الاندماج الإداري

  • ضم الرومان المنطقة إلى ولاية العربية البترائية، ثم إلى ولاية سورية.

المدن الرومانية الكبرى

  • قنوات (Canatha): مدينة رومانية مزدهرة، تضم مسرحًا كبيرًا وأعمدة بازلتية.
  • شهبا (Philippopolis): أسسها الإمبراطور فيليب العربي (204م)، مدينة رومانية متكاملة بالمسرح والحمامات العامة.
  • ديونيسيوس (Dionysias): الاسم الذي أطلقه الرومان على السويداء تكريمًا للإله ديونيسيوس (إله الخمر).

المعابد والطقوس

  • انتشار معابد مكرسة لزيوس وديونيسيوس.
  • استمرار بعض الطقوس الزراعية المحلية ممزوجة بالتقاليد الرومانية.

رابعاً: الحياة اليومية والاقتصاد

الزراعة

  • العنب: أساس صناعة النبيذ، رمز اقتصادي وديني.
  • الزيتون: شجرة الجبل، مصدر غذاء وتجارة.
  • الحبوب: القمح والشعير غذاء أساسي.

التخزين والتنظيم

  • وجود “المعاصر” و”الصهاريج” المنحوتة في الصخر.
  • اقتصاد زراعي منظم ومترابط.

التجارة والطرق

  • الرومان أنشأوا شبكة طرق مرصوفة لربط المنطقة بدمشق وبصرى والبحر المتوسط.

المجتمع

  • مزيج من:
    • قبائل محلية.
    • نبطية.
    • رومانية.
    • آرامية.
  • هذا التنوع منح المجتمع ثراءً ثقافيًا ولغويًا.

خامساً: الموروث الأثري والثقافي

اللغة والنقوش

  • نقوش يونانية – آرامية – نبطية في السويداء ومحيطها.
  • هذه النقوش توثق التنوع الحضاري.

البازلت: حجر الهوية

  • البازلت الأسود أصبح هوية معمارية.
  • منه بُنيت البيوت، المعابد، المسارح، وحتى الصهاريج.

الأسماء: سجل حي للتاريخ

  • سؤادا: المدينة السوداء (الكنعانية/النبطية).
  • ديونيسيوس: الرومانية (نسبة إلى إله الخمر).
  • السويداء: الاسم الحديث، تصغير “سوداء”.

السويداء: هوية متراكمة عبر العصور

  • كل حقبة تركت طبقة في هوية المكان:
    • من سؤادا الكنعانية.
    • إلى ديونيسيوس الرومانية.
    • وصولًا إلى السويداء الحديثة.
  • الثابت هو الجبل الأسود الذي شكّل هوية سكانه بالصمود والمرونة.

خاتمة

السويداء لم تكن يومًا مجرد مدينة صغيرة على سفوح جبل العرب، بل كانت مسرحًا حضاريًا تعاقبت عليه حضارات كبرى: من الاستيطان البرونزي البسيط، إلى الازدهار النبطي التجاري، ثم الذروة الرومانية الثقافية والمعمارية.

كل معلم أثري، كل نقش، كل حجر بازلتي، هو شاهد على قصة صمود وتفاعل حضاري. واليوم، ما زالت السويداء تحمل هذا الإرث، لتبقى رمزًا للتاريخ والهوية في سوريا.


❓ الأسئلة الشائعة (FAQs)

1. متى بدأ الاستيطان البشري في السويداء؟
منذ العصر البرونزي المبكر (الألف الثالث ق.م).

2. ما دور السويداء في العصر النبطي؟
محطة تجارية مهمة على طريق البخور، ومركز لعبادة الإله ذو الشرى.

3. لماذا سمّاها الرومان ديونيسيوس؟
تكريمًا لإله الخمر، لارتباطها بزراعة العنب والنبيذ.

4. ما أبرز مدنها الرومانية؟
قنوات، شهبا (Philippopolis)، والمدينة الأم ديونيسيوس (السويداء).

5. ما الذي يميز هويتها حتى اليوم؟
البازلت الأسود، موقعها الجغرافي، والتنوع الثقافي المتراكم عبر العصور.

عرض المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى