التاريخ والتراثتاريخ السويداء

حولات الأسماء وسير الزمان: تاريخ تسميات جبل الدروز وسكانه عبر العصور

مدينة السويداء و تاريخ تسميات جبل الدروز وسكانه عبر العصور

تقع محافظة السويداء في أقصى الجنوب السوري، على سفوح جبل العرب البركاني، وتطل على سهول الحوران الخصبة. هذه الأرض ليست مجرد منطقة جغرافية، بل سجل حيّ لتاريخ طويل من التحولات السياسية والاجتماعية والثقافية.
فقد حملت على مرّ العصور أسماءً متعددة تعكس سكانها وأحداثها، من باشان القديم إلى جبل الدروز ثم جبل العرب الحديث.
في هذه المقالة نستعرض رحلة الأسماء، والسكان، والأدب المرتبط بالمنطقة عبر العصور، مع توثيق الأحداث والحقائق المؤكدة.

1. باشان: الاسم الأقدم في التاريخ

يُعدّ اسم باشان أقدم ما ورد في المصادر التاريخية حول المنطقة، وقد ذُكر في ثمانية أسفار من التوراة مثل سفر التثنية وسفر عاموس.
كان الإقليم يتمتع بأهمية استراتيجية وزراعية كبيرة، إذ وُصف بأنه أرض خصبة وممهّدة محاطة بالجبال والهضاب.

آخر ملوك باشان المعروفين هو عوج بن عناق، الذي حُفرت سيرته في الأساطير باعتباره “العملاق” المقاوم لبني إسرائيل.
الجذر السامي “بشن” يعني الأرض الممهّدة أو الخصبة، وهو وصف دقيق لجغرافية الجبل البركاني الغني بالمياه والزرع.

ورد الاسم بصيغ مختلفة في المصادر الإغريقية مثل باسانيتس (Basanitis)، ثم تغيّر لاحقًا في العهد الروماني إلى سلاباتانيا وجولانيتس، في إشارة إلى تقسيمات إدارية.
ويذكر الدكتور جواد علي في كتابه المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام أن إقليم باشان كان يشمل الجولان والحوران واللجاة، ما يجعل جبل السويداء قلب هذا الإقليم الطبيعي.

2. بين حوران وأورانيتس: التسمية الإدارية واللغوية

مع توسع الإمبراطوريات القديمة في المشرق، أُطلق على الإقليم اسم أورانيتس (Auranitis)، وهي الترجمة الإغريقية لكلمة حوران.
الجذر السامي “حور” يعني الأبيض أو النور، وقد استخدمه الآراميون والعموريون للدلالة على صفاء التربة البركانية بعد المطر.

ورد اسم جبل حوران في حوليات الملوك الآشوريين في القرن التاسع والثامن قبل الميلاد، واستمر استخدامه حتى القرن التاسع عشر الميلادي، قبل ظهور تسميات جديدة مرتبطة بالهجرات والسياسات العثمانية والفرنسية.

3. سكان المنطقة عبر العصور

لم تكن السويداء منطقة موحّدة من حيث السكان، بل شهدت تعاقب مجموعات حضرية ورحّل عبر التاريخ:

  • العموريون (Amorites): من أوائل الشعوب التي سكنت المنطقة.
  • الآراميون (Arameans): تركوا بصمة لغوية وثقافية واسعة.
  • بعض قبائل بني إسرائيل: احتلّت أجزاء مجاورة لباشان.
  • الأنباط (Nabataeans): أسسوا حضارة مزدهرة في بصرى وأثّروا على محيطها.
  • الرومان والبيزنطيون: أعادوا تنظيم المدن وبنوا الكنائس والمراكز الحضرية.
  • البدو الرحّل: تكشف النقوش الصفايتية المكتشفة في حرة الصفا والهضاب المجاورة عن نمط حياة البدو الرحّل الذين كانوا يتنقلون بأغنامهم ومواشيهم بين البادية والجبال والسهول، بحثًا عن المراعي والينابيع. تعود هذه النقوش إلى الفترة الممتدة بين القرن الثالث قبل الميلاد والرابع الميلادي، وقد وثّقت حروبهم وأسماءهم وأحداث حياتهم اليومية، مما يقدّم صورة واقعية غنية عن المجتمعات البدوية و حضارية في تلك الحقبة.

4. جبل الدروز: الهجرة الدرزية والهوية الطائفية

في القرن التاسع عشر، ومع هجرات أبناء الطائفة الدرزية من ولايات دمشق، حلب، وصفد، استقرّ الكثير منهم في جبل حوران.
ومع تزايد التواجد الدرزي، أصبح الجبل يُعرف باسم جبل الدروز، وهو الاسم الذي استخدمته السلطات العثمانية رسميًا في الخرائط والسجلات.

وخلال الانتداب الفرنسي (1921–1936)، تأسست دولة جبل الدروز كواحدة من خمس دويلات أنشأها الفرنسيون في سوريا، وكانت إحدى أسباب اندلاع الثورة السورية الكبرى عام 1925 بقيادة سلطان باشا الأطرش.

صورة لثوار الدروز برفقة القائد سلطان باشا الأطرش في وادي السرحان، داخل الصحراء العربية، بعد نفيهم من جبل الدروز خلال فترة الانتداب الفرنسي.
صورة لثوار الدروز برفقة القائد سلطان باشا الأطرش في وادي السرحان، داخل الصحراء العربية، بعد نفيهم من جبل الدروز خلال فترة الانتداب الفرنسي.

وقد خلد الشاعر أحمد شوقي هذه الثورة في أبياته الشهيرة:

سَلامٌ مِن صَبا بَرَدى أَرَقُّ … وَدَمعٌ لا يُكَفكَفُ يا دِمَشقُ..
الى ان يقول ..

وَما كانَ الدُروزُ قَبيلَ شَرٍّ … وَإِن أُخِذوا بِما لَم يَستَحِقّوا

وَلَكِن ذادَةٌ وَقُراةُ ضَيفٍ … كَيَنبوعِ الصَفا خَشُنوا وَرَقُّوا

لَهُم جَبَلٌ أَشَمُّ لَهُ شَعافٌ … مَوارِدُ في السَحابِ الجُونِ بُلقُ

لِكُلِّ لَبوءَةٍ وَلِكُلِّ شِبلٍ … نِضالٌ دونَ غايَتِهِ وَرَشقُ

كَأَنَّ مِنَ السَمَوأَلِ فيهِ شَيئًا …فَكُلُّ جِهاتِهِ شَرَفٌ وَخَلقُ.

5. مهرجان البتراء وتحوّل الاسم إلى جبل العرب

Sultan Pasha Al Atrash2
صورة لسلطان باشا في الحديثة – وادي السرحان 1930

بعد نفي الثوار عن البلاد عقب الثورة، عاد سلطان الأطرش ورفاقه عام 1936 بعد انتهاء الانتداب.
وفي حفلٍ أقيم في مسرح البتراء في عمّان لاستقبالهم، قال الأديب عجاج نويهض مخاطبًا الثوار:

“أنتم الآن عائدون إلى جبل الدروز… بل إلى جبل العرب، ففيه عزّتنا ورفعة كرامتنا.”عجاج نويهض (1896- 1982 م) ،هو مؤرخ وكاتب وأديب ومترجم لبناني قومي عربي شغلته القضايا القومية طوال حياته.

فأجابه سلطان باشا الأطرش قائلًا:

“نعم، هذه هي التسمية التي نريدها لجبلنا.”

وفي اليوم التالي نشرت صحيفة الأهرام المصرية الخبر مؤكدة اعتماد التسمية الجديدة.
ومنذ ذلك التاريخ، أصبحت التسمية الرسمية جبل العرب، ثم تحولت إداريًا لاحقًا إلى محافظة السويداء.

6. الأدب والشعر: الجبل في الذاكرة

الشعر العربي لعب دورًا محوريًا في رسم صورة جبل السويداء عبر القرون.
يقول جرير بن عطية في أحد أبياته:

يا حبّذا جبل الريّان من جبلٍ
وحبّذا ساكن الريّان مَن كانا
هبّت شَمالًا فذكرى ما ذكرتكم
عند الصّفاة التي شرقيّ حورانا

أما في الأدب الحديث، فقد أصبحت أسماء الجبل رموزًا للكرامة والبطولة الوطنية، سواء باسم جبل الدروز أو جبل العرب، تبعًا للسياق التاريخي.

7. الخاتمة: الجبل بين الأسماء والذاكرة

من باشان إلى حوران، ومن أورانيتس إلى جبل الدروز ثم جبل العرب، يظهر لنا جبل السويداء كخزان حيّ للذاكرة التاريخية.
كل اسم يحكي فصلًا من سيرته: من الممالك القديمة والبدو الرحّل إلى الثوار وأبناء الطائفة الدرزية، الذين صنعوا هوية الجبل وروحه.

إنه ليس مجرد تضاريس أو موقع على الخريطة، بل تاريخ مكتوب على صخور الجبل ونقوشه، وأدبه، وذاكرته الجماعية.

المراجع

  1. جواد علي، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، الجزء الثالث.
  2. التوراة، سفر التثنية وسفر عاموس.
  3. حوليات الملوك الآشوريين، القرن التاسع–الثامن ق.م.
  4. Safaitic Inscriptions – British Museum، جامعة أكسفورد.
  5. أرشيف صحيفة الأهرام المصرية، عدد عام 1936.
  6. د. عبد القادر ريحاوي، تاريخ العمارة والفن في سوريا.
  7. ديوان الشوقيات – أحمد شوقي.

عرض المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى